1. بما أنك ترأست عددا من الجلسات العلمية في المؤتمر، ما أبرز الرسائل أو المستجدات التي لفتت انتباهك هذا العام؟
كان لي شرف رئاسة جلستين علميتين خلال المؤتمر، ومن أكثر ما لفت انتباهي هذا العام هو التوجه المتسارع نحو الطب الشخصي واستخدام التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي وتقنيات التصوير الحديثة، لتحسين تشخيص أمراض الجهاز الهضمي وعلاجها.
كما شهد المؤتمر اهتماما كبيرا بموضوع الاكتشاف المبكر للتغيرات والآفات ما قبل السرطانية ، وأهمية المتابعة المنظمة للمرضى المعرضين للخطر، لما لذلك من دور حاسم في الوقاية والكشف المبكر.
ومن المواضيع المهمة التي نوقشت أيضا كيفية استكمال تقييم المرضى الذين يعانون من آلام بطن أو إسهال مزمن رغم أن الفحوصات الأساسية تبدو طبيعية، والاستفادة من وسائل تشخيص متقدمة للوصول إلى التشخيص الصحيح وتجنب التأخير في العلاج.
وكان من الملفت كذلك المستوى العلمي المرتفع للأبحاث المعروضة خلال المؤتمر، والاهتمام المتزايد بتطوير أدوات تشخيص ومتابعة أكثر دقة وأقل إزعاجا للمرضى.
ومن الجوانب المميزة هذا العام تسليط الضوء على صحة الأطباء الذين يجرون إجراءات المناظير. فقد أظهرت الدراسات أن نسبة كبيرة من أطباء الجهاز الهضمي يعانون مع مرور الوقت من إصابات وإجهاد في المفاصل والرقبة والظهر نتيجة طبيعة العمل المتكرر. وقد خُصصت محاضرة مهمة لمناقشة سبل الوقاية وتحسين بيئة العمل والتقنيات التي تساعد على الحفاظ على صحة الطبيب على المدى الطويل.
2. ما أهم التطورات التي تعتقد أنها ستؤثر على مستقبل طب الجهاز الهضمي وتحديداً أمراض الأمعاء الالتهابية (IBD) خلال السنوات القادمة؟
أعتقد أننا أمام ثلاثة محاور رئيسية ستشكّل مستقبل هذا التخصص خلال السنوات القادمة.
أولاً، الطب الدقيق ، أي القدرة على اختيار العلاج الأنسب لكل مريض بناءً على الخصائص الجينية والمناعية والمؤشرات الحيوية الخاصة به.
ثانياً، التوسع في استخدام وسائل التصوير غير الباضعة، وعلى رأسها الموجات فوق الصوتية للأمعاء (الألتراساوند)، والتي أصبحت أداة مهمة لمتابعة المرضى بشكل متكرر وآمن دون الحاجة إلى إجراءات باضعة.
وثالثاً، الذكاء الاصطناعي في تحليل الصور الطبية والتنبؤ بمسار المرض والاستجابة للعلاج، وهو مجال لم يعد يخص المستقبل البعيد، بل بدأ يدخل فعليا إلى الممارسة السريرية اليومية.
كما أكد المؤتمر على أهمية إجراء فحوصات المنظار وفق معايير جودة واضحة ومقاييس أداء معتمدة، سواء للكشف المبكر عن سرطان القولون أو لمتابعة مرضى الأمعاء الالتهابية. لم يعد الهدف مجرد إجراء الفحص، بل ضمان أن يتم بأعلى مستوى من الجودة لتحقيق أفضل النتائج للمرضى.
3. هل كان هناك بحث أو عرض علمي أثار اهتمامك بشكل خاص خلال المؤتمر؟ ولماذا؟
نعم، من أكثر المواضيع التي أثارت اهتمامي العروض المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في أمراض الأمعاء الالتهابية، وخاصة دمجه مع فحوصات الموجات فوق الصوتية للأمعاء.
لكن ما يشدّ اهتمامي بشكل خاص هو الأبحاث التي تربط بين ما نراه في الفحوصات وبين ما يشعر به المريض فعليا. فعلى سبيل المثال، هناك مرضى يبدون في حالة هدأة عند المنظار، لكنهم ما زالوا يعانون من التهاب مستمر في طبقات جدار الأمعاء. الأبحاث الحديثة أظهرت أن الموجات فوق الصوتية قد تساعد في اكتشاف هذا الالتهاب مبكرا والتنبؤ بتدهور الحالة قبل ظهور الأعراض أو المضاعفات، وهو ما يحمل قيمة سريرية حقيقية للطبيب والمريض على حد سواء.
4. ما أبرز التحديات التي ما زالت تواجه الأطباء والمرضى في مجال أمراض الأمعاء الالتهابية؟
رغم التقدم الكبير في العلاجات خلال السنوات الأخيرة، ما زالت هناك تحديات مهمة.
التحدي الأكبر اليوم ليس غياب العلاجات، بل اختيار العلاج المناسب للمريض المناسب في الوقت المناسب. فلدينا العديد من الخيارات العلاجية الفعالة، لكن ما زلنا بحاجة إلى أدوات أفضل للتنبؤ باستجابة كل مريض للعلاج.
كما أن التأخر في التشخيص لدى بعض المرضى، وصعوبة التنبؤ بمسار المرض، والحاجة إلى متابعة طويلة الأمد، ما زالت تمثل تحديات يومية.
أما على المستوى النفسي والاجتماعي، فما زال المرض يشكل عبئاً كبيراً على العديد من المرضى، سواء من ناحية العمل أو الدراسة أو الحياة الاجتماعية، وهو جانب يحتاج إلى اهتمام أكبر ضمن الرعاية الشاملة.
5. ما الرسالة التي تود توجيهها للأطباء الشباب الراغبين بالتخصص في هذا المجال؟
أنصح الأطباء الشباب بهذا التخصص لأنه يجمع بين التحدي العلمي والعلاقة الإنسانية طويلة الأمد مع المرضى. ففي أمراض الأمعاء الالتهابية لا نعالج نوبة مرضية فقط، بل نرافق المريض لسنوات طويلة ونبني معه علاقة قائمة على الثقة والمتابعة المستمرة.
كما أن هذا المجال يتطور بوتيرة سريعة جدا، لذلك من المهم مواكبة الأبحاث والتقنيات الحديثة بشكل دائم، حتى نتمكن من تقديم أفضل علاج ممكن لكل مريض وفق أحدث المعطيات العلمية. هذا التخصص يمنح الطبيب فرصة حقيقية للتأثير على حياة المرضى وتحسين جودة حياتهم على المدى الطويل.
6. ما أهمية التعاون بين الأطباء والباحثين وجمعيات المرضى في تحسين رعاية المرضى؟
لا يمكن تحقيق تقدم حقيقي بشكل فردي. فالطبيب يرى التحديات اليومية في العيادة، والباحث يطوّر المعرفة العلمية، بينما يعيش المريض التجربة الحقيقية بكل تفاصيلها. وعندما تجتمع هذه الرؤى المختلفة، تصبح القرارات العلاجية أكثر دقة، وتصبح الأبحاث أكثر ارتباطاً باحتياجات المرضى الفعلية.
كما أن التعاون الدولي بين المراكز الطبية والبحثية أصبح عاملاً أساسياً في تسريع التقدم العلمي وتبادل الخبرات وتحسين مستوى الرعاية المقدمة للمرضى حول العالم
ولا يقل أهمية عن ذلك التعاون مع جمعيات المرضى، التي تلعب دورا محوريا في التوعية، والدعم النفسي والاجتماعي، ونقل صوت المرضى واحتياجاتهم الحقيقية إلى الأطباء وصنّاع القرار. هذا التعاون يساعدنا على تقديم رعاية أكثر شمولية، تتمحور حول المريض وتراعي جودة حياته إلى جانب السيطرة على المرض.
7. إذا أردت أن تنقل رسالة للمرضى أو للجمهور العام بعد هذا المؤتمر، ماذا تقول؟
رسالتي بسيطة ومتفائلة:
لقد شهدنا خلال السنوات الأخيرة تقدما هائلا في تشخيص وعلاج أمراض الجهاز الهضمي وأمراض الأمعاء الالتهابية، واليوم يستطيع معظم المرضى أن يعيشوا حياة طبيعية ونشطة بفضل التشخيص المبكر والعلاج المناسب.
أنصح المرضى بعدم تجاهل الأعراض المستمرة مثل آلام البطن المزمنة، أو الإسهال المتكرر، أو فقدان الوزن غير المبرر، أو وجود دم في البراز، بل التوجه للاستشارة الطبية في الوقت المناسب.
كما أشجع المرضى على أن يكونوا شركاء فاعلين في اتخاذ القرارات العلاجية، وأن يحافظوا على التواصل المستمر مع أطبائهم.
فكلما كان التشخيص أبكر والمتابعة أفضل، كانت النتائج أفضل وجودة الحياة أعلى.
جمعية نيسان تتقدم بجزيل الشكر لد. أحمد البشيش على تعاونه ومساهمته في رفع الوعي الصحي وإتاحة المعرفة الطبية الحديثة.